أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

78

العقد الفريد

أحدهم قد علق جعبة فارسية منتفخة الطرفين قد شبكت بالخيوط ، وقد ألبست قطعة فرو ، كأنهم يخافون عليها القر ؛ ثم بدا الثاني فاستخرج من كمه هنة كفيشلة الحمار ، فوضع طرفها في فيه فضرط فيها ، ثم حسب على جحرة فاستخرج منها صوتا مشاكلا بعضه بعضا ؛ ثم بدا الثالث وعليه قميص وسخ ، وقد غرق رأسه بالدهن معه مرآتان ، فجعل يمري إحداهما على الأخرى ؛ ثم بدأ الرابع عليه قميص قصير وسراويل قصيرة ، فجعل يقفز صلبه ، ويهز كتفيه ، ثم التبط بالأرض ، فقلت : معتوه وربّ الكعبة . ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي . ثم أرسلت إلينا النساء أن أمتعونا من لهوكم . فبعثوا بهم إليهن ، وبقيت الأصوات تدور في آذاننا ؛ وكان معنا في البيت شاب لا آبه له ، فعلت الأصوات له بالدعاء ، فخرج فجاء بخشبة في يده ، عينها في صدرها ، فيها خيوط أربعة ، فاستخرج من جوانبها عودا فوضعه على أذنه ، ثم زمّ الخيوط الظاهرة ، فلما أحكمها عرك أذنها فنطق فوها ، فإذا هي أحسن قينة رأيتها قط [ وغنّى عليها ] فاستخفّني حتى قمت من مجلسي فجلست إليه فقلت : بأبي أنت وأمي ، ما هذه الدابة ؟ قال : يا أعرابي ، هذا البربط « 1 » . قلت : فما هذه الخيوط ؟ قال : أما الأسفل فزير ، والذي يليه مثنى ، والذي يليه مثلث . والذي يليه بمّ . فقلت : آمنت باللّه . لأعرابي في تمر : وقال أعرابي . تمرنا خنس فطس ، يغيب فيهن الضرس ، كأن فاها ألسن الطير ، تقع التمرة منها في فيك ، فتجد حلاوتها في كعبك . أعرابي على سفرة سليمان : وحضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك ، فلما أتي بالفالوذج « 2 » جعل يسرع فيه ، فقال سليمان : أتدري ما تأكل يا أعرابي ؟ فقال : بلى يا أمير المؤمنين ، إني لأجد ريقا

--> ( 1 ) البربط : العود . ( 2 ) الفالوذج : حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل .